أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
526
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا « عسى » فعل ماض نقل إلى إنشاء الترجّي والإشفاق . وهو يرفع الاسم وينصب الخبر ، ولا يكون خبرها إلا فعلا مضارعا مقرونا ب « أن » . وقد يجيء اسما صريحا كقوله : 930 - أكثرت في العذل ملحّا دائما * لا تكثرن إنّي عسيت صائما « 1 » وقالت الزبّاء : « عسى الغوير أبؤسا » « 2 » وقد يتجرّد خبرها من « أن » كقوله : 931 - عسى فرج يأتي به اللّه إنّه * له كلّ يوم في خليقته أمر « 3 » وقال آخر : 932 - عسى الكرب الّذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب « 4 » وقال آخر : 933 - فأمّا كيّس فنجا ولكن * عسى يغترّ بي حمق لئيم « 5 » وتكون تامة إذا أسندت إلى « أن » أو « أنّ » ، لأنهما يسدّان مسدّ اسمها وخبرها ، والأصحّ أنها فعل لا حرف ، لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها ، ووزنها « فعل » بفتح العين ، ويجوز كسر عينها إذا أسندت لضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث ، وهي قراءة نافع « 6 » ، وستأتي . ولا تنصرّف بل تلزم المضيّ . والفرق بين الإشفاق والترجّي بها في المعنى : أنّ الترجّي في المحبوبات والإشفاق في المكروهات . و « عسى » من اللّه تعالى واجبة ؛ لأنّ الترجّي والإشفاق محالان في حقّه . وقيل : كلّ « عسى » في القرآن للتحقيق ، يعنون الوقوع ، إلا قوله تعالى : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ « 7 » ، وهي في هذه الآية ليست ناقصة فتحتاج إلى خبر بل تامة ، لأنها أسندت إلى « أن » ، وقد تقدّم أنها تسدّ مسدّ الخبرين بعدها . وزعم الحوفي أن « أن تكرهوا » في محلّ نصب ، ولا يمكن ذلك إلا بتكلّف بعيد . قوله : وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في هذه الجملة وجهان : أظهرهما : أنها في محلّ نصب على الحال وإن كانت الحال من النكرة بغير شرط من الشروط المعروفة قليلة . والثاني : أن تكون في محلّ نصب على أنها صفة ل « شيئا » ، وإنما دخلت الواو على الجملة الواقعة لأنّ صورتها صورة الحال ، فكما تدخل الواو عليها حالية تدخل عليها صفة ، قاله أبو البقاء . ومثل ذلك ما أجازه الزمخشري في
--> ( 1 ) البيت لرؤبة انظر ملحق ديوانه ( 185 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 164 ) ، الهمع ( 1 / 130 ) ، الخصائص ( 1 / 98 ) ، الدرر ( 1 / 107 ) . ( 2 ) انظر المجمع ( 2 / 341 ) ، ( 2435 ) ، الغوير : تصغير غار والأبؤس : جمع بؤس وهو الشدة وأصل هذا المثل فيما يقال من قول الزبّاء حين قالت لقومها عند رجوع قيصر من العراق ومعه الرجال وبات بالغوير على طريقه : « عسى الغوير أبؤسا » أي لعل الشر يأتيكم من قبل الغار . ( 3 ) البيت في الهمع ( 1 / 131 ) ، شرح ابن عقيل ( 1 / 520 ) ، الدرر ( 1 / 109 ) . ( 4 ) البيت لهدبة بن الخشرم العذري وكان من رواة الحطيئة وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 159 ) ، الخزانة ( 4 / 81 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 117 ) ، الأشموني ( 1 / 260 ) ، العيني ( 2 / 184 ) ، الدرر ( 1 / 106 ) ، الهمع ( 1 / 130 ) . ( 5 ) البيت من شواهد الكتاب ( 1 / 159 ) ، الخزانة ( 4 / 82 ) ، المحتسب ( 1 / 119 ) ، الكيس : العقل والدهاء ، والوصف « كيس » والحمق : الأحمق . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 246 ) . ( 7 ) سورة التحريم ، آية ( 5 ) .